محمد بيومي مهران
47
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الجيش ، وكان من يوضع أمامه لا يرجع حتى يقتل ، ولما قتل زوجها وانقضت عدتها خطبها داود لنفسه ، ولكنها اشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة من بعده ، وكتبت بذلك كتابا أشهدت عليه خمسة من بني إسرائيل ، وقد أنجبت له سليمان ، فإنما شبّ تسوّر عليه الملكان المحراب ، فكان شأنهما ما قص اللّه في كتابه ، وخر داود ساجدا ، فغفر اللّه له وتاب عليه « 1 » . وهكذا تابع بعض المؤرخين والمفسرين رواية توراة اليهود المتداولة اليوم ، إلى حد ما ، حين صورت النبي الأواب الذي آتاه اللّه الحكمة وفصل الخطاب ، وهو يتمشى فوق سطح قصره ، فيرى امرأة رائعة الجمال ، وهي تستحم عارية ، فيسأل عنها بعضا من بطانته ، ويعرف أنها « بتشبع » امرأة أوريا الحثي ، فيرسل إليها من يأتيه بها ، ثم ينال منها وطره ، وهي مطهرة من طمثها ، وسرعان ما تحبل المرأة من فورها ، وحين تتأكد من حملها تخبر داود بالأمر ، فيرسل إلى زوجها يستدعيه من ميدان القتال ، حتى إذا ما ظهر الحمل بعد ذلك على المرأة ظن الناس أنه من زوجها ، غير أن أوريا يأبى أن يدخل على امرأته ، ويصر على العودة إلى ميدان القتال ، ومن ثم يأمر داود بأن يوضع أوريا في وجه العدو ، وأن له مثلا برجل يملك نعجة واحدة ، وآخر يملك غنما وبقرا كثيرا ، ثم جاء للغني ضيف فأخذ نعجة الرجل الفقير ، وهيأ منها طعاما لضيفه ، فحكم داود بأن يقتل الرجل الفاعل ذلك ، ويرد النعجة أربعة أضعاف فقال ناثان لداود : أنت هو الرجل « 2 » . وهكذا تنتهي رواية العهد القديم الكذوب عند هذا الحد المحزن ، فهل كان النبي الأواب كذلك ؟ وهل هذا الاتهام يتجسم مع ما هو معروف عن
--> ( 1 ) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 5 / 300 - 306 . ( 2 ) صموئيل الثاني 11 / 1 - 27 ، 12 / 1 - 25 ، وانظر : محمد بيومي مهران : إسرائيل 3 / 203 - 205 .